أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
115
العقد الفريد
وعاشق صبّ بمعشوقه * كأنما قلباهما قلب روحاهما روح ونفساهما * نفس ، كذا فليكن الحبّ الأمين ووعد جارية حدث أبو جعفر قال : بينا محمد بن زبيدة الأمين يطوف في قصر له ، إذ مر بجارية له سكرى ، وعليها كساء خزّ تسحب أذياله ، فراودها عن نفسها ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، أنا على ما ترى ، ولكن إذا كان في غد إن شاء اللَّه ! فلما كان من الغد مضى إليها فقال لها : الوعد ! فقالت يا أمير المؤمنين ، أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار ؟ فضحك وخرج إلى مجلسه فقال : من بالباب من شعراء الكوفة ؟ فقيل له : مصعب ، والرقاشي ، وأبو نواس . فأمر بهم فأدخلوا عليه . فلما جلسوا بين يديه قال : ليقل كل واحد منكم شعرا يكون آخره . كلام الليل يمحوه النهار فأنشأ الرقاشي يقول : متى تصحو وقلبك مستطار * وقد منع القرار فلا قرار وقد تركتك صبّا مستهاما * فتاة لا تزور ولا تزار « 1 » إذا استنجزت منها الوعد قالت * كلام الليل يمحوه النهار وقال مصعب : أتعذلني وقلبك مستطار * كئيب لا يقرّ له قرار بحبّ مليحة صادت فؤادي * بألحاظ يخالطها احورار « 2 » ولما أن مددت يدي إليها * لألمسها بدا منها نفار فقلت لها عديني منك وعدا * فقالت : في غد منك المزار فلما جئت مقتضيا أجابت : * كلام الليل يمحوه النهار
--> ( 1 ) الصبّ : المشتاق . ( 2 ) الاحورار : شدة سواد سواد العين وشدة بياض بياضها .